أخبار عاجلة

عَ مدار الساعة


القوات الجوية في الجيش اللبناني … تطور لافت نحو الفعالية المطلوبة

العميد المتقاعد شارل أبي نادر-

لم يعد من ضرورة للحديث عن اهمية سلاح الجو بالنسبة للجيوش بشكل عام ، وقد اصبحت القدرات الجوية من الصواريخ الذكية والقنابل الموجهة التي تطلق من القاذفات والطوافات ، او المعطيات الاستعلامية الجوية ( تصوير ورصد ومتابعة اهداف ) والتي تؤمنها طائرات الاستطلاع ، تُشَكِّل العوامل الاكثر تأثيرا في حسم المعركة لصالح من يمتلك هذه القدرات .

من هنا ، يذهب الجيش اللبناني نحو امتلاك ما أمكن من هذه القدرات بالامكانيات المتوفرة ، وحيث تلعب الناحية المادية المحدودة في موازنة الدولة اللبنانية ، وبالتالي في موازنة التسليح لدى هذا الجيش ، دورا رئيسا في تقييد امتلاكه ما يحتاجه من هذه القدرات ، بالاضافة الى بعض التقييدات الاقليمية والدولية حول تقنين وتحديد ما هو مسموح له بامتلاكه ، يقوم الجيش اللبناني ، وعبر إجراءآت وأشغال ومناورات لوجستية وتكتيكية استثنائية ، بتعويض هذا النقص وذلك من خلال مسار متدرج يمكن تحديده بالمراحل التالية :

المرحلة الاولى
– بدأت مع معارك مواجهة الارهابيين في مخيم نهر البارد عام 2007 ، وحيث كانت الحاجة لقدرات جوية تحسم المعركة بالوقت الاسرع ، نظرا لوجود تحصينات استثنائية في المخيم ، استفاد منها الارهابيون في مواجهة وحدات الجيش ، إستطاع الجيش وعبر دراسة فنية وتقنية لافتة من قبل مهندسي وضباط قواته الجوية ، إجراء تغيير وتحوير في منظومة اطلاق صورايخ جوية كانت في مخازنه ومخصصة لقاذفات هوكر هنتر الخارجة من الخدمة ، وبواسطة الطوافات تم اطلاق هذه الصواريخ والقنابل الشديدة القدرة على التدمير ، ليشكل ذلك عاملا مهما ورئيسا في حسم المعركة لصالح الجيش .

– تابع الجيش ومن ضمن هذه المرحلة الواسعة من المعركة ضد الارهاب ، في تطوير آاليات توجيه قذائف مدفعيته ، وذلك عبر عملية مركبة بين منظومة التوجيه بالليزر الخاصة بطائرات السيسنا ومنظومة توجيه المدفعية ، والتي استفادت من القدرات الجوية لتشكل ايضا عاملا حاسما واساسيا في استهداف نقاط ومواقع تنظيمي داعش والنصرة الارهابيان ، وكانت خاتمة مرحلة مواجهة الارهاب في معركة فجر الجرود في جبال لبنان الشمالية الشرقية ، بعد أن لعبت القوات الجوية دورا حاسما ، تجاوز من الناحية العملية ، ما كان مقدرا لها بالنسبة للقدرات المحدودة التي تمتلكها ، وذلك ايضا بفضل مناورة فنية تقنية لافتة ، خرجت بمعادلة جديدة تقوم على نقل تقنيات التوجيه بالليزر الخاص بالطيران اساسا ، الى منظومة توجيه المدفعية ، الامر الذي كان صادما للاميركيين الذين عبروا عن دهشتهم واستغرابهم لقدرة القوات الجوية اللبنانية على خلق وتطوير هذه المعادلة المركبة .

المرحلة الحالية :

وقد فرضتها اليوم الحاجة الاستراتيجية لتطوير القدرات الجوية ، وحيث تم الاستفادة من تجارب الماضي القريب والمعارك الحديثة التي اشترك فيها الجيش اللبناني بمواجهة الارهاب ، فقد جاءت مناورة الامس التي نفذتها القوات الجوية في شمال لبنان منطقة البترون ، لتضيء عمليا على قدرات حساسة حصل عليها الجيش مؤخرا ، الاساس فيها هو الصاروخ الموجه والمضاد للاليات والتدريعات نوع :

APKWS

وقد تم اطلاقه من طائرات السوبر توكانو التي امتلكها الجيش مؤخرا ، و يتميز بدقته العالية على اصابة الاهداف المتحركة بسرعة مرتفعة جداً ، مع كلفة متدنية مقارنة مع الصورايخ الفعالة الاخرى المعروفة مثل ” الهيل فاير ” .

النقطة الاخرى التي اضاءت عليها مناورة الامس هي في إظهار اختبار القدرة على التكامل بين الطائرتين نوع سيسنا كارافان والسوبر توكانو بالاضافة الى التكامل مع وحدات المناورة في قوى البر وذلك بغية تامين الدعم الجوي القريب لقوى المناورة بفاعلية قصوى ودقة متناهية ، مع اظهار قدرات ( موجهين ) اختصاصيين في توجيه الطائرات نحو اهدافها بدقة وسرعة من اجل تجنب اصابة القوى الصديقة او المدنيين في بقعة العمليات .

من هنا تكمن اهمية ما اصبحت تمتلكه القدرات الحساسة للوحدات الجوية في الجيش اللبناني ، إذ أنها تستطيع اعتبارا من اليوم ان تنفذ معركتها ضد المجموعات الارهابية بطريقة فعالة ، توازي وربما تضاهي في مكان ما ، قدرات الجيوش المتطورة ، وذلك بشكل يؤمن اكبر قدر ممكن من الحماية للمدنيين ومن الاستغناء عن الاضرار الجانبية عند تنفيذ المهمات الخاصة ، وهذا هو الاهم في المعركة ضد الارهابيين ، والذين اصبحت معركتهم تقوم باساسها على التغلغل بين المدنيين واستعمالهم دروعا بشرية ، فتأتي دقة التوجيه والاصابة بالصواريخ النوعية لتفادي اصابات المدنيين وإبعاد التدميرغير الضروري .

بعد الان ، يمكن القول انه يكفي امتلاك الجيش اللبناني لمعلومات استخبارية صحيحة ليتم استهداف الارهابيين بدقة اكيدة وبشكل فعال ، مع الامكانية الواسعة للاستغناء عن عدد كبير من عمليات المداهمة او المهاجمة الخاصة ، وعدم تعريض المجموعة المنفذة لخطر مواجهة الإرهابيين الذين اصبحوا محترفين في التفخيخ والتفجير واستعمال الاحزمة الناسفة .

مرة اخرى يثبت الجيش اللبناني قدرته على موائمة حاجة معركته مع ما يمكن أن يمتلك من اسلحة ، متخطيا الصعوبات والمعوقات الكثيرة ، وربما سارع الاميركيون الى تلبية الطلب بتجهيز الوحدات الجوية بهذا النوع من الصواريخ ، والذي يمكن استعماله من طائرات السوبر توكانو ، بعد ان لمسوا من التجارب السابقة التي خاضها هذا الجيش ، إن كان في تقنيات وتكتيكات مواجهة الارهاب او في تحوير وتغييرالاسلحة التي تتوفر لديه لصالح الفعالية في المعركة ، انه ربما قادر بمجهود شخصي على التوصل لنفس التقنية في التجهيز فعمدوا الى تبني الموضوع وتأمينها لوحداته الجوية .