أخبار عاجلة

عَ مدار الساعة


المسكوت عنه في صفقة القرن

د. طارق عبود-

يشهد العالم اليوم تغيرات كبرى طرأت على طبيعة السياسات الدولية، مع دخول النظام العالمي الحالي في مسار من التفكك والانحلال، وميل اللاعبين الدوليين والإقليميين على تقديم التقاطعات الظرفية، على التحالفات الثابتة، ما يشير إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي العالمي والإقليمي.

من هذا الباب المشرع على رياح الصراعات في العالم، وفي توقيت أقل ما يُقال أنه غير موفّق، يحاول الرئيس دونالد ترامب وصهره وضع حد للقضية الفلسطينسة، وللصراع العربي الإسرائيلي بعجالة من لديه الكثير من العمل لانجازه غير هذه القضية.

لقد سال حبرٌ كثير في الحديث عن الصفقة القرن، وقاربها المتابعون من زوايا متعددة، ولا سيما من حيث شرح بنود ما تسرّب منها، او ما صرّح به المعنيون بطرحها وتسويقها، من توطين للاجئين في الشتات، عبر رشوة البلدان المستضيفة، وتمدّد قطاع غزة نحو صحراء سيناء، ووضع القدس، وبناء شرطة فلسطينية، وإلى آخره من بنود قيل عنها الكثير.

لكن ما هو المخفي من أهداف لهذه الصفقة، وما لم يبُح به القيّمون عليها، أو ما هو المسكوت عنه فيها؟ والذي سيبقى وقتًا غير معلوم سجين الغرف السوداء، ولن يظهر إلى العلن قريبًا، وربما لن يبوح به أحد.

قبل الشروع في تبيان المقصود مما نريد الإضاءة عليه في هذه المقالة؛ لا بدّ من استعادة تاريخية قصيرة لبعض مراحل التفاوض او الاتفاقيات، والظروف السياسية والعسكرية والجيوسياسية للمنطقة، في مقاربة لمرحلتي مؤتمر مدريد، واتفاق اوسلو، والمرحلة الحالية التي تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب تسويقه لهذه الفكرة أو الصفقة. ولكن قبل كل شيء ثمة سؤال يطرح، وهو هل يعتقد عاقل أنّ الرئيس الاميركي الحالي هو من سيولد على يديه الحل النهائي للقضية الأكثر تعقيدًا في العصر الحديث، وهي التي عجز عن حلها الرئيس بيل كلينتون وبعده كل من الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك اوباما، مع كل فائض القوة والدهاء والظروف السياسية والاقتصادية التي كانت لصالحهم. هذا الرئيس الغارق حتى أذنيه في مشكلات لا تٌعدّ، داخلية اقتصادية وسياسية، وهو المتهم الدائم في العلاقة مع الروس ودورهم في وصوله إلى البيت الابيض، وخارجية في حربه الاقتصادية مع الصين، وفي علاقته المتلبسة مع ولي العهد السعودي المتهم بتصفية الصحافي جمال خاشقجي، والمغطى علانية من الرئيس ترامب، والمتعثّران متّحدين ومنفردين في وحول اليمن وجبالها، إضافة إلى مأزقه الكبير الذي يعيشه، وإحراجه في حربه المفتوحة مع الإيرانيين، هذا إذا لم نستثنِ خلافه الكبير مع حلفائه الاوروبيين، وفضيحته في فنزويلا.

لا بدّ بداية من الإشارة إلى بعض النقاط المهمة والمؤثرة في المشهد السياسي، ومنها:

أولًا: إنّ الوضع السياسي الدولي يختلف بما لا يقاس بين تلك المرحلة، مع بداية بزوغ نجم القطب الأميركي الأوحد، وتفرّده بصياغة السياسات الدولية في العام 1991 وفرض رؤيته على العالم، ومنهم الفلسطينيون والعرب. عقب انهيار المنظومة الاشتراكية، والسقوط المدوي للاتحاد السوفياتي.وعقب حرب الخليج الأولى.

ثانيًا: غياب الشخصيات المؤثرة، والتاريخية المرتبطة بالصراع. واذا ما قارنا بين مؤتمر مدريد في العام 1991 والشخصيات التي حضرت حفلة الترويج في المنامة، لوجد القارئ الفارق المذهل، حتى لو حضر الرئيسان الفلسطيني محمود عباس والمصري عبد الفتاح السيسي، ووليّا عهد السعودية وأبو ظبي، إضافة الى بنيامين نتنياهو، وكلٌّ لديه ما يوازي مشكلات ترامب أو يفوقه، فإنّ مقارنتهم بشخصيات مؤتمرمدريد الوازنة، سوف يحدث أزمة نفسية عند المطبّلين للصفقة.

ثالثًا: إضافة الى غياب الشخصية المؤثرة في الوجدان الوطني الفلسطيني كـ”ياسر عرفات”، التي تستطيع فرض رؤيتها، ونقل الرأي العام الفلسطيني من ضفة الى ضفة، مع الثقة التاريخية بشخصية أبي عمار عند غالبية الفلسطينيين.

رابعًا: انعدام الرؤية السياسية للصفقة، وتغييب عامل الترغيب، حتى لو كان من طريق الكلام والوعود العرقوبية المعسولة. والتعويض عنه بمقاربة القضية الفلسطينية عبر تقديم الرؤية السطحية لها، ومقاربتها من منظور مادي اقتصادي استهلاكي تجاري، وتسويقي تطبيعي، ونسف المسار السياسي الذي عمل عليه الأميركيون والمجتمع الدولي عقودًا طويلة، وذلك عبر اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل سفارة واشنطن إليها، ومنح الجولان للإسرئيليين، وإلغاء المبادرة العربية التي قدمتها السعودية بقلم توماس فريدمان في قمة بيروت من العام 2002ن وبالتالي نسف مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو.

التجربة السيئة والمريرة لتطبيق اتفاق اوسلو، والكشف عن الوجه البشع والحقيقي لحكام تل أبيب وواشنطن، وكذبهم المتمادي، والتنصّل من غالبية البنود المتفق عليها، مع أجحافها الكبير بحق الفلسطينيين .

خامسًا: التبدّل في موازين القوى بين المرحلتين، فتحضر قوة الفصائل الفلسطينية المقاومة بكل ألوانها، وخوض المعارك والحروب المتتالية، وعدم خسارتها لأي منها. وكسر هيبة الجيش الإسرائيلي عبر الحروب الأربعة الكبيرة منذ العام 2008. إضافة إلى المعارك الصغيرة بين الحروب.

يضاف إلى ذلك، إنّ الداعم الرئيس لمحور المقاومة، إيران، في وضعية عسكرية وسياسية جيدة، حتى مع وجود هذا الحصار الكبير عليها، لتحييدها كصخرة كبيرة أمام هذه الصفقة. وحضور فصائل المحور بقوة وثقة اعتمادًا على التجارب الكبيرة التي خاضتها، منذ حرب تموز من العام 2006 ،مرورًا بحروب غزة، ثم اليمن والعراق، وصولًا إلى الحرب السورية الكبرى ، وكان النصر حليفَها في الجبهات جميعها.

سادسًا: تراجع الطرف الآخر، الولايات المتحدة وحلفاؤها، في الملفات كافة، والإنزياح الكبير في معادلات السياسة الدولية. والتقهقر الواضح للنفوذ الأميركي في العالم والمنطقة، والخلخلة الحاصلة في أسس النظام العالمي، مع حضور واضح ووازن للدول الصاعدة التي تتهيأ للمشاركة في قرارات السياسة الدولية.

أهداف غير معلنة

بناءً على ما تقدّم، ما هي الأهداف غير المعلنة لهذه الصفقة ؟

سنبدأ مع ما قالته صحيفة الغارديان، إذ أوردت أنّ ” السياسيين يسعون إلى تسليط الضوء على بعض المواضيع، بينما يقوم البعض الآخر كما حدث في التمثيلية التي جرت هذا الأسبوع في العاصمة البحرينية المنامة، بمحاولة إخفاء الموضوع الرئيسي تمامًا” ننطلق من ذلك لنشير إلى العناصر المسكوت عنها في هذه الصفقة:

– يتقدّم الهمّ الأميركي طليعة الأهداف، والمتمثّل بتجميع الفاشلين والمهزومين في السنوات الأخيرة في حلف واحد، كالناتو العربي، أو تحالف الشرق الأوسط،(العرب وتل أبيب) أو التحالف العربي، علّهم في تكتّلهم هذا يستطيعون ردم الهوة مع الخصوم في المحور الآخر ، وبالتالي يخفّفون من اعتمادهم على القوة الأميركية. ودمج الكيان الصهيوني في المحيط العربي، من خلال التطبيع السياسي والثقافي والرياضي وغيره.

– دفع تل أبيب الى الاعتماد على نفسها، بعد سياسة التخفّف من أحمال الشرق الأوسط وأعبائه على الولايات المتحدة، نتيجة الهزائم الفادحة، والخسائر الاقتصادية المهولة التي تكبدتها واشنطن في المنطقة، ناهيك عن مقتل أكثر من خمسة الآف جندي أميركي، وجرح أكثر من خمسة وعشرين ألفًا آخرين. ووضع تل أبيب أمام حقيقة أنها “لم تعد طفلًا” دائم الاعتماد على الأب الأميركي والغربي، وعليها مواجهة الأعداء والخصوم بنفسها، ووحيدة ربما، بعدما قرر الأميركيون تطبيق نظرية “عدم وضع الأحذية على الأرض” منذ العام 2009. والابتعاد من خوض الصراعات العسكرية أصالة عن أنفسهم، أو نيابة عن غيرهم.

-تسليط الضوء- وهو العنصر الأكثر أهمية- على الكلام الذي يقال في الصالونات المغلقة في الولايات المتحدة، عن إعادة النظر في توصيف الدور الوظيفي لتل أبيب، بحيث إنها لم تعد تلك القوة الضاربة، أو العصا الغليظة المؤدّية للدور الممنوح لها من المحور الغربي الاستعماري في المنطقة، منذ العام 2006 مرورًا بحروب غزة الأربعة، وصولًا إلى الحرب السورية، مع لحاظ الدعم المادي الكبير الممنوح لها سنويًا من واشنطن. وهو ما يقضّ مضجع المؤثرين في صياغة السياسة الإسرائيلية، ولا سيما بعد نتائج الحرب السورية.

– محاولة الولايات المتحدة السباق مع الوقت، قبل الدخول فعليًا في عالم متعدد الأقطاب، ونقل معظم الجهد الأميركي للتحضير للمعركة الكبرى مع العملاق الصيني الصاعد الذي بات يشكّل تهديدًا فعليًا لمكانة الامبراطورية الأميركية.

قد تكون صفقة القرن هي البضاعة المزجاة التي يريد الرئيس ترامب بيعها للإسرائيليين والفلسطينيين وعرب أميركا، وهو الخبير بفن الصفقات، وهو يعلم أنها صفقة خاسرة من ألفها إلى يائها، ولكنه يريد أن القول أنه فعل ما بوسعه، وعلى الجميع تحمل مسؤولياته من الآن وصاعدًا.

-الميادين-