أخبار عاجلة

عَ مدار الساعة


نهج الخلاص (الأب أثناسيوس شهوان)

“فاذهبوا وتلمِذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس. وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كلَّ الأيَّام إلى انقضاء الدهر. آمين” (متى 28: 19-20).
هكذا ختم متى الرسول إنجيله، لتكون الخاتمة بداية لا نهاية.

هذا الأمر ليس خيارًا، بل وصيّة وأمانة، ومسؤوليّة ودينونة. وإذا أمعنّا النظر جيّدًا بالآية، وقرأناها بتأنٍّ لوجدنا فيها منهجيّة تعليميّة رفيعة المستوى، وتدرّجًا متتابعًا دقيقًا للغاية، يجب اتّباعه لتحقيق الهدف.

المنهجيّة التي وضعها يسوع وطلبها مِن تلاميذه هي كالتالي:

1- الذَّهاب،

2- التَّلمذة،

3- العِماد،

4- التَّعليم،

5-الحِفْظ.

مراحل خمس متماسكة لا يجوز إطلاقًا إهمالها، أو إسقاط واحدة منها، وإلّا وَقَعَ الشطط.

النقطة الأولى: الذَّهاب. هي الانطلاق لتنفيذ المهمّة. فالربّ أتى لكل الناس، وما النفع إن عرفنا يسوع واحتفظنا بالخلاص لأنفسنا. أصلًا لا يمكن للرّب أن يقبل بذلك، لأنه أتى لكل الأمم دون أي مفاضلة أو تمييز. وعطاياه مجانيّة، لهذا قال لتلاميذه: “مجّانًا أخذتم، مجّانًا أَعطوا” (متى 10: 8).

هذا تمامًا ما نصلّيه في القدّاس الإلهي لكاتبه القدّيس يوحنا الذهبي الفم، وتحديدًا في الإفشين[1] الذي يقرأه الكاهن قبل ختم القدّاس أمام أيقونة الربّ الموجودة على الإيقونسطاس، فيقول: “كلّ عطيّة صالحة وكلّ موهبة كاملة هي مِن العلاء منحدرة، مِن لَدُنْكَ يا أبا الأنوار“.

فنحن أُعطينا المواهب مِن الربّ لنعطيها للآخرين، لأن مشيئته خلاص الجميع، وهذا ما أوصى به بولس الرسول قائلًا: “الذي (الربّ) يريد أنَّ جميع النّاس يَخلُصون، وإلى معرفة الحقّ يُقبِلون” (1 تيموثاوس 2: 4).

النقطة الثانية: التَّلمذة. هنا يقول الربّ، جعلتُكم تلاميذي لتكونوا صيادي الناس للملكوت. كلامه واضح وضوح الشمس: للملكوت وليس لأنفسكم. وهذا ما حذّرنا منه يسوع في توبيخه للفرّيسيّين بقوله: “لا تُدعَوا معلّمين، لأنّ معلّمكم واحدٌ المسيحُ” (متى 23: 10). فمهما برعنا نبقَ تلاميذَ ويبقَ يسوع المعلّم. ومَن يريد أن يفتخر “فليفتخِر بالربّ” (2 كورنثوس 10: 7).

هذا مِن جهة، أمّا من جهة ثانية، فيسأل بولس أيضًا أهل كورنثوس في معالجته لمسألة التحزّب له أو لبطرس أو لأَبُلُّوسَ، فيقول: “لعلّ بولس صُلِب لأجلكم، أم باسم بولس اعتمدتُم؟” ( 1 كورنثوس 1: 13). المقصود بذلك أن المخلّص الوحيد هو الربّ الذي صُلِبَ طوعًا مِن أجلنا.

بالإضافة إلى ذلك، مسؤوليّة التَّلمذة كبيرة جدًّا، لأن على المعلّم أن يكون صادقًا في ما يقوله ويمليه على تلاميذه، لأن المسيحيّة أوّلًا وآخرًا، عيش الكلمة الإلهيّة وتطبيقها، أي أن نكون مثالًا حيًّا لما نبشّر به. وإلّا أتت على أيدينا العثرات، ونالنا – لا سمح الله – ما قاله يسوع عمّن يعثر الآخرين، وبالأخص النفوس العطشى التي تطلب رؤية الله، إذ قال: “خيرٌ له أن يعلَّق في عُنقه حجر الرَّحى ويُغرَق في لجَّة البحر” (متى 18: 6). ويبقى باب التّوبة مفتوحًا لمن لا يريد أن يتمسّك بخطاياه.

النقطة الثالثة: العِماد على اسم الثالوث القدّوس. وذلك لأن مشيئة الآب والابن والروح القدس واحدة في كل شيء، وهم واحد في الجوهر الإلهيّ. تجعلنا المعموديّة أن نكون أبناءً للإله الواحد ومدعوين لتفعييل الروح القدس فينا، ونتنقّى ونستنير ونتأله، وأيضًا أن نكوّن حميعنا عائلة واحدة مؤمنة رأسها المسيح. فحياتنا على الأرض ليست عبثيّة لأنّنا خُلِقنا على صورة الله ومدعوون لتحقيق مثاله.

النقطة الرابعة: التّعليم. هناك في الكنيسة ما يسمّى بالتَّسليم الشَّريف، ويتضمّن الكتاب المقدّس وأقوال الآباء القدّيسين والليتورجيا المقدّسة مجتمعين ومتكاملين. فهم يشكّلون تعليمًا واحدًا متكاملًا. فما نقرأه في الكتاب المقدّس نفهمه بالروح القدس ونعيشه كما عاشه الآباء، ونصلّيه بتوبة وخشوع. فالرسل لم يأتوا بشيء مِن أنفسهم بل من الربّ يسوع المسيح، وسلّموه للآباء، كتابة وتعاليم شفهيّة، وهكذا دواليك. هكذا كان الأمر منذ البداية، ويقول سفر أعمال الرسل في ذلك: “كانوا يواظبون على تعليم الرسل، والشَرِكة، وكسرُ الخبز، والصلوات” (أعمال 2: 42). الشَّرِكةُ هي شَرِكة المحبّة، وكسرُ الْخُبْزِ هو تناول القُدُسات، أي جسد الربّ ودمه الكريمين.

لذا، أن نتعلّم الإيمان المسيحي المستقيم هو لَأمرٌ خلاصيّ، وأن يكون عندنا معلّمون مستقيمون يعيشون ما يعلّمونه هو أكثرُ مِن ضروري.

وما أحوجنا اليوم إلى التمسّك بالتعليم الصحيح في بيوتنا وعائلاتنا، لنحمي أولادنا مِن انحرافات الشِّرِّير، لأن “العائلة المسيحيّة” هي المدرسة الأولى التي ينطلق منها أبناؤنا للانخراط في هذه الحياة. فالعائلة كنيسة صغيرة ملتصقة بالكنيسة الأم.

النقطة الخامسة: الحِفْظ. هذا معناه أن نصبح إنجيلًا حيًّا، قولًا وفعلًا. جسدًا وروحًا: “الذي عنده وصاياي ويحفظُها فهو الذي يحبُّني” (يوحنا 14: 21).

يقول المزمور: “سراجٌ لرِجلي كلامُكَ ونُورٌ لسبيلي” (مز 119: 105). أي أسلك في طريقك يا رب، لأنّك أنت هو الطّريق والحق والحياة. هذا لا يتم إلّا بإفراغ الذَّات للامتلاء مِن الربّ، وليس بالانتفاخ مِن المجد الباطل.

نهايةً، الربّ يدعونا لننقل البشارة إلى العالم أجمع، شرط أن نعيشها أوّلًا.

إلى الربّ نطلب.

[1]. يُدعى إفشين وراء المنبر، الذي كان في وسط الكنيسة، ويُصعَد إليه بدرج ليُقرأ الإنجيل منه على مسامع المؤمنين. وفي حال عدم وجوده، يُقرَأ الإفشين أمام أيقونة الربّ.
🌐🌐🌐