أخبار عاجلة

عَ مدار الساعة


البابا بندكتوس 16: عندما يغلق الإنسان الباب بوجه الله يفتح له “نافذة الرجاء”..

– الى أين نحن ذاهبون.. مريم ورسالة فاطيما، حديثٌ أجراه “بيتر سيفالد”، مع قداسة البابا بنيدكتوس 16 كتاب: “نور العالم”…

***

– الصحافي: خلافًا لسلف قداستك، [يوحنا بولس الثاني] أنت تُعتَبر اللاهوتيّ الذي يركّز على يسوع أكثر منه على مريم. ولكنّك دعوت المؤمنين في ساحة مار بطرس، في الشهر الذي تلا انتخابك، إلى أن يتّكلوا على عذراء فاطيما. في أثناء زيارتك لفاطيما في أيّار 2010، ألقيت كلمات مثيرة، قلت فيها: يجب اعتبار ما حدث قبل ثلاث وتسعين سنة في فاطيما، عندما انفتحت السماوات فوق البرتغال “كنافذة رجاء” يفتحها الله “عندما يغلق الإنسان الباب في وجهه”.

هذا هو بالضبط قداسة البابا الذي يعرفه العالم كمدافع عن العقل يقول الآن:

“جاءت العذراء مريم من السماء، لتُذكّرنا بحقائق الإنجيل”.

– قداسة البابا: صحيح أنّي نشأتُ على التقوى التي ترتكزُ قبل أيّ شيء على المسيح، كما نشأتُ في فترة ما بين الحربَين العالميّتين الأولى والثانية، بتوجّهٍ خاصٍّ نحو الكتاب المقدّس وآباء الكنيسة، في تقوىً تغذَّت بقوّةٍ وعن وَعيٍ بالكتاب المقدّس مُرَكّزة بالتحديد على المسيح. ولكنّ أمّ الله، أمّ السيّد، لا تزال حاضرةً في كلّ هذا. هي تَظهَرُ في الكتاب المقدّس، في إنجيل لوقا وإنجيل يوحنّا في وقتٍ متأخّرٍ، إنّما بوضوحٍ كبير. وبهذا المِقياس كان لها دائمًا مَكانتها في الحياة المسيحيّة. حازت أمّ الله في وقتٍ مُبكِّرٍ أهميّة أساسيّة في الكنائس الشرقيّة – فَكِّر على سبيل المثال بمجمع أفسس الذي انعقد في السنة 431 م!

ولم يكفّ الله عن استخدامها على مرّ التاريخ ضوءًا يقودنا به إليه.

في أميركا اللاتينية، على سبيل المثال، أصبحت المكسيك مسيحيّة في الوقت الذي ظهرت فيه عذراء غوادالوبيه. في تلك اللحظة، فهِم الناس: نعم، هذا هو إيماننا. هنا، سنصلُ حقًّا إلى الله، ستُظهِره لنا العذراء. فيها يتحوّل ويرتفع كلّ غنى دياناتنا. في نهاية المطاف، صورتان جعلتا الناس يؤمنون في أميركا اللاتينية: مريم من جهة، ومن جهة أخرى الله المتألّم، والمتألّم أيضًا تجاه العُنف الذي سامهم.

إذًا، ينبغي لنا أن نقول إنّه تاريخ في صميم الإيمان، وقد أظهره جيّدًا الكاردينال نيومن. الإيمان ينتشر، وفي عمليّة الانتشار هذه، نلمس تدخُّل أمّ الله المتصاعد في العالم، كدليلٍ على الطريق الواجب اتّباعه، كنورٍ من الله، كأمٍّ نستطيع من خلالها أن نتعرّف إلى الابن والآب. وهكذا أعطانا الله إشارات، لا سيّما في القرن العشرين. في عقلانيّتنا، وبمواجهة سلطة الديكتاتوريات الصّاعدة، يُبيِّن لنا تواضع الأمّ التي تظهر للأطفال الصغار وتقول لهم ما هو جوهريّ: إيمان ورجاء ومحبّة وتكفير.

لذلك، أفهمُ أنّ الناس يجدون فيها، إذا جاز التعبير، شيئًا يشبه النوافذ. لقد رأيت، في فاطيما، مئات الآلاف من الناس الذين يتمكّنون من رؤية الله من جديد بواسطة ما قالته مريم لأطفالٍ صغارٍ، في عالم فيه الكثير من الجدران والحواجز.

– الصحافي: لم يُعلَن سرّ فاطيما الثالث الشهير إلا في السنة 2000 بواسطة الكاردينال جوزف راتسينغر، بناءً على طلب قداسة البابا يوحنّا بولس الثاني يتحدّث النصّ عن أسقف متّشح بالبياض، ينهار تحت وطأة رصاص جنود. فُسِّر هذا المشهد بأنّه نذير محاولة اغتيال يوحنا بولس الثاني. أعلنتَ بعد ذلك: “مَن يعتقد أنّ رسالة فاطيما النبويّة قد انتهت فهو مخطئ”. ماذا تعني بذلك؟ هل تعني أنّ رسالة فاطيما ستُنجَز في المستقبل؟

– قداسة البابا: في ما يخصّ رسالة فاطيما، يجب التمييز بين شيئيَن: من جهةٍ، لدينا حَدَثٌ معيّنٌ عُبِّر عنه بشكل رؤيويّ؛ ومن جهةٍ أخرى، القصّة الأساسيّة التي نحن هنا بِصددها. لم يكن الأمر يتعلّق مع ذلك بإرضاء فضولٍ ما. في هذه الحالة كان علينا أن نُعلن النصّ على المَلأ قبل ذلك بكثير.

كلاّ، يتعلّق الأمر بالتلميح إلى نقطةٍ حرجةٍ، في لحظةٍ حرجةٍ من التاريخ: كلّ قوى الشرّ التي تَبلورت خلال القرن العشرين، في الديكتاتوريّات الكبرى، هي نفسها لا تزال اليوم تفعلُ فِعلها بطريقةٍ أخرى.

ومن جهةِ أخرى كان الأمر يتعلّق بالرّد على هذا التحدّي. وهذا الرّد لا يكمن في إجراءات سياسيّة كبرى، بل لا يمكنه في نهاية المطاف أن يتأتّى إلاّ من تحوُّل القلوب، بالإيمان والأمل والحبّ والتكفير. بهذا المعنى، لم تنتهِ تمامًا الرسالة بعد حتى ولو اختفت الديكتاتوريّتان الكبيرتان. يبقى ألمُ الكنيسة، يبقى التهديد الذي يُثقل كاهل الإنسان، ويبقى أيضًا السؤال عن الردّ، تمامًا مثل الإشارة التي أعطتنا إيّاها مريم. إنّ الضّيقة قائمة الآن أيضًا. والآن أيضًا تُهدّد السلطة [الكنسيّة]، بجميع الأشكال الممكنة، أن تزدري الإيمان. لذلك، اليوم أيضًا، نحن في حاجة إلى الجواب الذي أعطته أمّ الله للأولاد.

البابا يصلّي أمام جثمان الطفلَين القديسين: فرنشيسكو وجاسينتا مارتو (رؤاة فاطيما)

– الصحافي: كان لعظة قداستك في قرية فاطيما، في 13 أيار 2010 وقعٌ مأساوي للغاية، إذ قلتَ: “استطاع الإنسان أن يُطلِق العنان لدورة قتل وإرهاب، ولكنّه فشل في إيقافها”. أطلقتَ في ذلك اليوم، أمام نصف مليون مؤمن، نداءً مدوّيًا :

لتُسرَّع السنوات السبع التي تفصلنا عن عيد الظهورات المئوي، الانتصار المعلن لقلب مريم النقيّ على شرف مجد الثالوث الأقدس”.

هل يعني هذا أنّ قداسة البابا الذي يشغل وظيفة نبويّة، يعتقد ظهور أمّ الله مُمكنًا خلال السنوات السبع القادمة بطريقة تُعتَبر بمنزلة انتصار ؟

– قداسة البابا: قلتُ إنّ الانتصار يقترب. من حيث المحتوى، يشبهُ هذا القول الصلاة من أجل مجيء ملكوت الله.
ربّما كنتُ عقلانيًّا جدًّا في هذا. لم يَعنِ ذلك إنّني أنتظر الآن نقطة تحوُّل كبيرة، أو أنّني أعتقد أنّ مسار التاريخ سيتغيّر فجأة؛

ولكنّي أعتقدُ أنّ سلطة الشرّ ستُكبَح فتظهر قوّة الله دائمًا من خلال قوّة الأمّ وتبقيها حيّة.

إنّ الكنيسة مدعوّة باستمرار إلى أن تُلبّي نداء ابراهيم: أن تسهر على أن يكون هناك عددٌ كافٍ من الأبرار لاحتواء الشرّ والدمار. إنّي أدركتُ أنّ قوى الخير يمكنها أن تكبر من جديد. وبهذا المعنى، إنّ انتصارات الله، وانتصارات مريم هي خفيّة، إنّما حقيقيّة !