أورشليم العصور القديمة بين التوراة والتاريخ

– يهوه واحدًا من الآلهة الكنعانية، كما تدل عليه النقوشُ المكتشَفة ( نجم الدين سمّان )

***

يشتمل هذا الكتاب[1] على أبحاث ندوة عُقِدَتْ في العاصمة الأردنية عمان بإشراف عالِم الأديان المقارن د. توماس ل. تومپسون، وبالتعاون مع د. سلمى الخضراء الجيوسي، وصدرتْ أبحاثُها في كتاب بالإنكليزية عن جامعة كوپنهاغن (عاصمة دولة “الصور المسيئة”!)، ثم قام الباحث فراس السواح بترجمته إلى العربية، من حيث إنه كان الباحث العربي الوحيد المشارك في ندوة ضمَّتْ اثنَي عشر باحثًا من ستة بلدان.

يتساءل د. تومپسون في مدخل الكتاب “هل يمكن كتابة تاريخ فلسطين خارج المرويَّات التوراتية؟”، منوهًا إلى أن “البحث التاريخي الغربي قد ظل واقعًا تحت تأثيرها حتى وقت قريب جدًّا”. وإذا كان اسم إسرائيل قد ورد لأول مرة في نُصب الفرعون مرنفتاح نحو أواخر القرن الثالث عشر ق م، فهو يَرِدُ كنايةً عن أسطورة، لا باعتباره اسمًا لشعب تاريخي. فحتى القرن التاسع ق م، لم تكن أورشليم سوى بلدة صغيرة، ولم تتحول إلى مدينة مهمة إلا في وقت متأخر من القرن الثامن ق م، حيث تم إلحاقُها، مع آرام دمشق ومدن الساحل الفلسطيني والفينيقي، بالتاج الآشوري.

يقرِّر د. تومپسون أن القصة التوراتية عن دمار السامرا ويهوذا قد دُوِّنَتْ في وقت متأخر، وأن كلَّ مَن جرى ترحيلُه من جميع شعوب المنطقة، فيما يُعرف بـ”السبي البابلي”، لم يَرِدْ له ذكرٌ في القصة اللاهوتية التوراتية؛ ومن ثم فيصمت النص التوراتي، أيضًا، عن القسم الأكبر من سكان فلسطين طوال القرون الخمسة التي تلت سقوط السامرا.

يضيف د. تومپسون: “تعوَّد أساتذتُنا في التاريخ القديم أن يصمتوا أيضًا عما سمَّاه الباحث كيث وايتلام التعتيم على التاريخ الفلسطيني” (سيَرِدُ ذكرُ هذا الكتاب أدناه)، مؤكدًا أنه “من الأصح أن نصفَ اليهودية بأنها دين، أو فلسفة، أو حتى اتجاه فكري، يُعبِّر عن الحياة الفكرية لمجموعات مختلفة في فلسطين”. من هنا فإن كتابة تاريخ فلسطين، وبالتالي، تاريخ إسرائيل، يقوم فقط على استقلالية علم التاريخ وعلم الآثار عن أي نص ديني.

وقد شدَّد الباحث مايكل پرايور في مداخلة بعنوان “قراءة أخلاقية للكتاب المقدس” على “ضرورة التمييز بين الجيد والسيئ في سائر الموروثات الدينية”: ففي اليهودية أقوالٌ للأنبياء مندِّدة باستغلال الفقراء والضعفاء، وأيضًا نصوص تمنح اليهوديَّ حقوقًا على الآخرين، الأدنى مرتبة، سواء كانوا كنعانيين في الماضي أم فلسطينيين في عصرنا الحديث. ويضيف:

لم تقدْني دراسةُ الكتاب المقدس إلى التفكير فقط في الطريقة التي تم فيها استخدامُ الكتاب كوسيلة ومبرِّر للعدوان والقمع، وإنما أيضًا إلى ضرورة قيام الباحثين بإخضاع أنفسهم لمحاسبة أخلاقية.

بينما ركزتْ مداخلةُ نيلز پيتر لِمْكه “بيت داود” على مناقشة نقش [نقوش] تل دان، الذي صار موضع جدل طويل بين الأكاديميين، من حيث إن بعضهم اعتبره دليلاً تاريخيًّا على وجود مملكة داود التوراتية، وآخرون بأنه كسرات فخارية جُمِعَتْ من أكثر من موقع أثري وتنتمي إلى أكثر من نص، فيما قلةٌ منهم رجَّحتْ أن يكون النقش برمته مزورًا – وهو ما أيَّده الباحثُ بشروح جديدة، لكنْ من غير أن يقطع نهائيًّا في الأمر.

وكذلك فعلت الآثارية مارغريت شتاينر في محاضرتها (“توسيع الحدود: نمو أورشليم في العصر الحديدي”) حول تنقيبات العالمة كاثلين كِنيون في القدس، وعن نقص الأدلة الآثارية على وجود مملكة داود في القرن العاشر قبل الميلاد. بينما ركَّز الباحثان سارة ماندِل (“روما وسورية وكبير كهنة أورشليم”) وجون سترينج (“هيرودُس وأورشليم: هَلْيَنَة المدينة الشرقية”) على الطابع الهلِّيني لمدينة القدس. وأحصى الباحث ليستر ل. غرابِّه “المجموعات الإثنية في أورشليم”، فيما نوَّه فيليپ ر. ديفيس، في محاضرة بعنوان “من صهيون إلى صهيون: أورشليم في مخطوطات البحر الميت”، إلى وجود روحانية يهودية، تجلَّتْ في نصوص وادي قمران، تُعارِض اليهودية القومية.

ورأى الباحث توماس م. بولِن (“صناعة المدينة المقدسة: في أسُس أورشليم في التوراة العبرانية”) أن القصص التوراتية حول تأسيس القدس قد دُبِّجتْ خلال العصر الهلِّيني لتُستخدَم من أجل تدعيم رؤية جماعات يهودية لأورشليم ومكانتها. وأسقط ديفيد م. غَنْ (“العام المقبل في أورشليم: التوراة والهوية والأسطورة على الشبكة”) الفكرةَ ذاتَها على العصور الحديثة، من حيث استُخدِمَتْ قصصُ أورشليم القديمة في الپروپاغاندا السياسية، مركزًا على فكرة “المنفى” والحنين إلى أورشليم كعملية مماهاة بين دولة “إسرائيل” الحديثة وبين اليهودية العالمية. أما الباحث كيث و. وايتلام، صاحب الكتاب الشهير اختلاق إسرائيل القديمة[2]، فأثار في مداخلة بعنوان “تصوير أورشليم” مشكلةَ البحث الأكاديمي الحديث وفشله في خلق ماضٍ لأورشليم من خلال الربط بين الشواهد الأرخيولوجية وبين قصة داود التوراتية.[3]

وأما الباحث العربي السوري فراس السواح، فقدم مداخلته في اليوم الأول من المؤتمر تحت عنوان “أورشليم في عصر مملكة يهوذا”. وجاء فيها أنه لم تحظَ منطقةٌ في العالم بكلِّ هذا التنقيب الأثري كما حظيت به فلسطين. فخلال قرن ونصف، تمَّ نبش كلِّ تلٍّ تقريبًا. والهدف هو، كما جاء في بيان تأسيس “صندوق التنقيب في فلسطين” في العام 1865 وحتى الآن، “توضيح مسائل الكتاب المقدس”.

وهكذا ولد علم الآثار في فلسطين كـ”علم آثار توراتي”، في خدمة اللاهوت، وليس المعرفة العلمية. ويتابع السواح:
إن أهم ما توصَّل إليه التنقيبُ الأثري في فلسطين طوال العشرين سنة الماضية هو أن الجماعات التي استوطنت مناطق الهضاب الفلسطينية منذ مطلع عصر الحديد الأول (1200-1000 ق م)، أو ما يُدعى توراتيًّا بـ”عصر القضاة”،

  • لم تخرج من مصر في موجة هجرة واسعة،
  • ولم تدخل فلسطين بعد فترة تجوال في الصحراء،
  • ولم تأتِ معها بديانة نزل وحيُها في سيناء،
  • ولم تفتك بالسكان المحليين أو تحل محلَّهم.
  • كما أن ثقافة هؤلاء تنتمي لثقافة عصر البرونز الأخير (1550-1200 ق م) وللثقافة السائدة في بقية المناطق الفلسطينية.

ويضيف:

إسرائيل” التوراتية هي ابتكار أدبي خيالي. وخلاصة ما يمكن قوله بخصوص مملكة “إسرائيل–السامرا” أنها نشأت كمملكة فلسطينية كنعانية في سياق عصر الحديد الثاني، وأن سكانها هم فلسطينيون محلِّيون، لا علاقة لهم بالأسباط العشرة التوراتيين، وأنها كانت تتوسع أو تتقلص تبعًا لزيادة أو تقلُّص نفوذ مملكة آرام دمشق على كامل المنطقة الجنوبية لبلاد الشام وحتى سيناء.

ويستشهد السواح على عدم قيام سلطة مركزية في فلسطين بصناعات الزيت والفخار التي ظلت منحصرة في النطاق العائلي البسيط، وكذلك بما يتعلق باستخدام الكتابة. وحتى القدس، التي ظهرت لأول مرة كبلدة مسوَّرة حوالى العام 1800 ق م، لم تكن مساحتُها تزيد عن أربعة هكتارات ونصف الهكتار، بينما بلغت مساحةُ مدينة حاصور الكنعانية في الجليل خمسة وسبعين هكتارًا.

وإن أول مدينة حقيقية في موقع مدينة القدس هي “أورشليم” عصر الملك آحاز، الموثَّقة أرخيولوجيًّا وتاريخيًّا حوالى العام 735 ق م. فجميع مَن قبله كانوا زعماء محليين قبليين، تمكنوا من تأسيس حكم وراثي في المدينة في النصف الأول من القرن الثامن قبل الميلاد. وينوِّه فراس السواح، في هذا الصدد، إلى جهل مُحرِّري التوراة بما كان يجري على الساحة الإقليمية والدولية خلال تلك الفترة.

أما الإله يهوه، فلم يكن إلا واحدًا من الآلهة الكنعانية الفلسطينية وزوجًا للآلهة عشيرة، كما تدل عليه النقوشُ المكتشَفة؛ وهو يَرِدُ في نصوص أخرى باسم ياهو، وإلى جانبه الإلهة الكنعانية عناة. وقد تم اكتشاف معبد على مسافة 300 متر من الجدار الجنوبي لهيكل أورشليم المفترَض، يحتوي على 400 دمية فخارية للإلهة عشيرة وخيولاً تحمل على جبهتها قرص الشمس، حيث كان أهل يهوذا يرون فيه رمزًا للإله الكنعاني يهوه.

ويختم الباحث محاضرته المطولة، الموثقة بالخرائط والمكتشفات، بقوله:

ولدت مملكة يهوذا، وعاشت، وانتهت، كدولة فلسطينية كنعانية في تكوينها الإثني والديني. [أما] قبيلة يهوذا التوراتية فلا وجود لها إلا في خيال المحرِّر التوراتي.

*** *** ***

تنضيد: نبيل سلامة

—–

[1] القدس: أورشليم العصور القديمة بين التوراة والتاريخ، مجموعة من الباحثين، بتحرير د. توماس ل. تومپسون، بالتعاون مع د. سلمى الخضراء الجيوسي، وبترجمة فراس السواح، منشورات مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2003.

[2] كيث وايتلام، تلفيق إسرائيل التوراتية: طمس التاريخ الفلسطيني، بترجمة ممدوح عدوان ومراجعة زياد منى، قدمُس للنشر والتوزيع، دمشق، طب 2، 2002. نشير هنا إلى وجود نسخة عربية أخرى للكتاب بعنوان اختلاق إسرائيل القديمة: إشكاليات التاريخ الفلسطيني، بترجمة د. سحر الهنيدي ومراجعة د. فؤاد زكريا، سلسلة “عالم المعرفة” 249، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1999. (المحرِّر)

[3] نشير كذلك في الكتاب إلى بحثَي إنغريد هيلم “الإخوة الأعداء: المركزية القومية لليهود والسامريين في التراث والتاريخ” وتوماس ل. تومپسون “الحرب المقدسة في مركز اللاهوت التوراتي: شالوم وتطهير أورشليم”. (المحرِّر)

المصدر: معابر
لقراءة الخبر من المصدر (إضغط هنا)