مارون، يا ناسِك “جبال قورش” (أمين أبوراشد)

– أبناء المسيح في ضمائرنا، وأخوةً لأي آخر يؤمن بوجودنا

***

أردتنا رُسُل حضارةٍ مشرقية، وأورثتنا ثقافة بناء الأوطان في الصخور والمغاور، مع ما تحمله أعباء مواجهة الإضطهاد من كلفةٍ نزفناها عرقاً ودماً.

رَفَعنا صليبنا في هذا الشرق على دروب بولس، يسكننا الأمل ويقودنا الرجاء، لأن نعيش السلام ونتعايش مع من يعرفون السلام، رغم أننا لم نعرف لهذه الجلجلة نهاية من “براد” الى أعالي جبال لبنان، ولم يبقَ في قلوبنا والضمائر سوى الإيمان بواجب البقاء على أرضِ السيد المسيح، ننشر المحبة بوجه الأحقاد، ونُحيي أعراس سُعُف النخيل على وقع طبول الجنازات، ونقرع أجراسنا ترانيماً ودعواتٍ للآخر أن نعيش معاً شراكة القِيَم الإنسانية.

وسواء كنا ننتمي الى جراجمة سوريا، أو الى مردة لبنان، فقد تعايشنا مع همجية حُكمِ المماليك علينا وعنجهية العثمانيين، ولا موجِب لنذكر بين الحقبتين عذاباتنا وقهرنا، طالما أن القهر ارتضيناه فداءً عند أقدام المصلوب الذي افتدانا، ولعل أقسى ما واجهنا ونواجه، أن الغرب سقانا المُرّ والعلقم على الصليب، والشرق يعتبرنا بقايا من حملاتٍ صليبية، نحن الذين أساس الشرق وروَّاد نهضته.

مارون،
لا تطلب منا أن نسلُك ثقافتك في النُسك، أنت الذي ألهمت رهبان المغاور، أن يحفروا في الصخر ليزرعوا قوت يومهم، وأنت من أوحيت لمثقَّفيهم إستقدام المطابع وتأسيس المدارس والإرساليات والنهوض بالمجتمعات، ورسالتنا ليست حصراً مذهبية مارونية ولا طائفية مسيحية، بل نحن جعلنا من إنجيلنا نبراساً، ومن صليبنا رايةً لنكون عبر الأجيال رسالة المسيح في مهد الأديان، نتفاعل حضارياُ مع الآخرين، ونجحنا أحياناً في إرساء التفاهمات الإجتماعية، وأصابتنا في أحيانٍ أخرى نكبات الخيبة، وبدأ النزف المسيحي من الشرق الى المَهَاجِر الغربية، أسوةً بباقي الأقليات التي واجهت كما واجهنا أقسى أنواع الإضطهاد من أحفاد صهيون العنصري وأبي جهل التكفيري.

مارون،
رغم مآسينا، نُحيي عيدَك بفرحٍ وإيمانٍ وإصرارٍ عنيد، يا من ارتضيت الجبال ملاذاً، والمغاور بداياتٍ لإعمار أوطان، أن نبقى أبناء المسيح في ضمائرنا، وأخوةً لأي آخر يؤمن بوجودنا، ونُعاهدك، أن المسيحية هي رسالتنا الإنسانية والفكرية والثقافية والمجتمعية، وأننا رغم الإضطهاد التكفيري من شياطين الأزمنة الظلامية، ورغم التنكيل بنا وبأرزاقنا من فلسطين المهد والقيامة والحجارة الباكية على هجرة البشر، الى سوريا معلولا والإرث الآرامي التي تحمي نفسها حتى الرمَق، الى مصر التي لجأ إليها يوسف ومريم هرباً بطفل المغارة من حقد هيرودوتس، لتواجه اليوم حقداً شيطانياً على أقباطها، الى عراق الحضارات السريانية والأشورية والكلدانية المُنقرضة، فإننا نُخاطبك من لبنان ونقول: لدينا جبلٌ ماروني مؤتمنٌ على مصيرنا، يحمل اليوم رسالتنا في الإِقبال على الآخر واحتضانه ومشاركته، ويؤسس لعلاقة شراكة مسيحية – إسلامية ندِّية تحت سقف المواطنة، ونحن متفائلون، أننا لا بُد بصبرنا وإيماننا وإصرارنا على العيش الواحد، أن نكون نُسَّاكاً على مذبح الحق، وبُناة مجتمعات نعيش فيها الكرامة …