حزب الله يلاقي التيار الوطني الحر في منتصف الطريق نحو الاصلاح-نسيم بو سمرا

تحصين لبنان ومعه المقاومة لا يمكن أن يحصل من دون التصدي للفساد في الداخل…

***

على الرغم مما حصل من توترات أمنية في الشارع في الأيام القليلة الماضية على خلفية كلام مسرّب لرئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل تناول فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري، إلا ان النهاية جاءت بأقل ضرر ممكن على المجتمع وبطريقة مشرفة للفريقين. غير ان هذه المواجهة الجديدة بين التيار الوطني الحر وحركة أمل، كانت الأعنف من ضمن جولات الإشتباك المتعددة منذ انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، ما اضطر حزب الله بإنزال أسلحته الثقيلة المتمثلة بمونته على الفريقين المتصارعين، حتى لا تنفلت الأمور ويصبح بعدها إمكان التصالح صعبا لا بل مستحيلا، مع ما يستتبع ذلك من عرقلة إنطلاقة العهد الذي يترأسه رجل استثنائي وقائد تاريخي، هو الرئيس العماد ميشال عون، ما يشكل فرصة نادرة في حياة الوطن لإصلاح النظام وبناء الدولة، على الشعب والسياسيين ان يتلقفوها، لتحقيق حلمهم بلبنان الغد.

أما الأهم في إطار ما حدث والذي حرّك الركود على الساحة السياسية، هو ملاقاة حزب الله لتمنيات باسيل الأخيرة والتي دأب التيار الوطني الحر على تكرارها خلال السنوات ال 12 الأخيرة، بأن تحصين لبنان ومعه المقاومة، لا يمكن أن يحصل من دون التصدي للفساد في الداخل والذي تتآكل بسببه مفاصل الدولة حتى تكاد تنهار، فجاء إعلان نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم امس خلال مناسبة إطلاق الماكينة الانتخابية لحزب الله ، بمثابة مبادرة لافتة تجاه مسار التيار في إطار مكافحة الفساد، مطلقا على الحملة الانتخابية لحزب الله،  شعار: “نحمي ونبني” ، موضحا اننا “نحمي من خلال المقاومة ونحن مدينون للبنانيين بالإستقرار الأمني تمهيدا لتحرير كل الأرض التي احتلتها اسرائيل، وثانيا نبني الدولة القوية القادرة والعادلة”، وأشار الى “ان صحيح ان اولويتنا المقاومة ولكن هذا لا يعني ان ليس هناك اولوية تليها في المرتبة وهي بناء الدولة، وشدد قاسم على ان نهج حزب الله في الدولة استقامة ورفض الفساد فبناء الدولة يتطلب تضحية منا لأجل الناس لا ان نتربع على الكراسي للإستثمار في المصالح الخاصة، وشعارنا “نحمي ونبني” عملنا عليه كل تلك السنوات وسنستمر العمل به مستقبلا”.

إذا بات يمكن القول ان حزب الله أدرك خطورة ما حصل أخيرا من انفلات الصراع السياسي ووصوله الى الشارع، وكاد ان يطيح بالتركيبة السياسية وبالتسوية الرئاسية للعهد برمته، والمعروف ان حزب الله يملك رؤية ليست ببعيدة عن تلك لدى الرئيس عون والتيار الوطني الحر ورئيسه جبران باسيل، ولكن ربما في السنوات الماضية تغاضى عن مشاكل الداخل لصالح سياساته الخارجية في ظل الهجمة التكفيرية على لبنان والمنطقة، في حين ان رئيس التيار جبران باسيل لم ينفك يذكر الحزب بأهمية العمل على مكافحة الفساد في الداخل بالتوازي مع الأمور الإستراتيجية، والتي لا يختلف اثنان على ان ما فعلته المقاومة في هذا السياق وبخاصة بتدخلها العسكري في سوريا حمى لبنان وجنبه الأسوأ.

أمّا الحملة المستمرة على التيار الوطني الحر ومن خلفه حزب الله، لضرب العلاقة بين الفريقين والتي اثبتت متانتها على الرغم من كل المحطات الخطرة التي مرت على لبنان منذ 12 عاما على إبرام ورقة التفاهم، ونحن اليوم نستذكر هذا التفاهم عشية 6 شباط، فترجمت هذه المرة هذه المرة بمحاولة تحوير مقابلة أجراها الوزير جبران باسيل لصحيفة   magazineالفرنسية، وقد اوضح المكتب الإعلامي لباسيل في بيان ان وسائل الاعلام تتناقل كلاماً محرّفاً ومجتزأ للوزير جبران باسيل في حديثه الى مجلة “الماغازين”
الناطقة باللغة الفرنسية، في موضوع العلاقة مع حزب الله، مشيرا الى ان حقيقة ان ما قاله الوزير باسيل ان علاقتنا مع حزب الله استراتيجية وباقية وهي كسرت الرقم القياسي في التفاهمات السياسية في لبنان، وأننا على نفس الموجة في القضايا الاستراتيجية.
اما في الموضوع الداخلي فقال باسيل “انه يأسف لوجود بعض الاختلافات في المواضيع الداخلية، وثمة قرارات يتخذها الحزب في الموضوع الداخلي لا تخدم الدولة وهذا ما يجعل لبنان يدفع الثمن، وأن بنداً اساسياً هو بناء الدولة في وثيقة التفاهم لا يطبّق بحجة قضايا السياسة الخارجية”.وختم البيان ان باسيل يؤكد انه مهما حاول اليائسون من تخريب العلاقة الاستراتيجية مع حزب الله لكنهم لن ينجحوا.
مع الاشارة الى ان هذه المقابلة مع الصحيفة الفرنسية أجريت بتاريخ 7 كانون الأول 2017 أي منذ حوالي الشهرين، مما يطرح السؤال عن توقيت نشرها الآن واختيار عنوان بعيد عن المضمون للإساءة الى باسيل كما لعلاقة التيار مع المقاومة.

في المحصلة لا يمكن أن ينجح مشروع مكافحة الفساد من دون تكاتف الشعب اللبناني ودعمه لمسيرة العهد باستئصال الفساد الذي يمنع قيام دولة حديثة متطورة، كما على الأحزاب المؤثرة في السلطة ان تؤمن ان لا خلاص للبنان ولا اقتصاد منتج يخرجه من حالة المديونية التي تكاد ان تفلسه، إلا بإنهاء حكم المافيا والشركات الاحتكارية، ما يستوجب تنظيف الإدارة العامة من المرتشين والمتسلطين كما كل المؤسسات العامة والمصالح المستقلة، وكذلك إنهاء النظام الاقتصادي القائم على الاحتكارات، ومن أبرز الأفرقاء اصحاب الأيادي النظيفة الذين يؤتمنون على ورشة الإصلاح هذه هما التيار الوطني الحر وحزب الله، والأخير مثل التيار لم يتورط يوماً بالفساد في الحكم وظل بعيدا عن وحوله، وبالتالي يعتبر حزب الله ركنا اساسيا من أركان بناء الدولة على اسس النزاهة والشفافية والمساءلة.

نسيم بو سمرا

وزير الخارجية جبران باسيل