البابا فرنسيس: الكنيسة هي “مستشفى ميداني” ولا تنسوا.. الوحدة التي نتشارك بها تولَد من رحم الاختلاف

– على الراعي أن تفوح منه رائحةُ الخراف؛ لكن أيضًا رائحة الله..

***

أيها الإخوة الأساقفة الأعزاء،

لقد كان يومًا حافلًا لنا جميعًا، لكن فرحه عظيم! احتفلنا هذا الصباح بالافخارستيا مع المؤمنين القادمين من جميع أنحاء البلاد، والتقينا في فترة ما بعد الظهر قادة الطائفة البوذية الأغلبية. يسرّني أن يكون لقاؤنا هذا المساء لحظة شكر هادىء على هذه البركات، وتأمّل هادىء في أفراح وتحدّيات خدمتكم كرعاة لقطيع المسيح في هذا البلد. أشكر مونسينيور فيليكس [ليان كين تانغ] على كلمات الترحيب التي وجّهها إليّ باسمكم؛ إني أعانقكم بمحبّة كبيرة بالرب.

أودّ أن أجمع أفكاري حول ثلاث كلمات: الشفاء، المرافقة والنبوة.

الأولى، الشفاء. إن الإنجيل الذي نبشّر به هو قبل كلّ شيء رسالة شفاء ومصالحة وسلام. فبواسطة دم المسيح على الصليب قد تصالح الله مع العالم ودعانا لنكون رسل هذه النعمة الشافية. رسالة كهذه لها صدى خاص هنا في الميانمار، حيث أن البلد قد التزم بالعمل على تخطّي انقسامات متجذّرة بعمق، وعلى بناء الوحدة الوطنية. تحمل قطعانكم علامات هذا الصراع، وقد أعطت شهودًا عظماء للإيمان وللتقاليد القديمة؛ لذا فلا يجب أن تكون بشارة الإنجيل بالنسبة إليكم مصدر عزاء وقوّة وحسب، إنما أيضًا دعوة لتعزيز الوحدة والمحبّة والشفاء، في حياة الشعب. إن الوحدة التي نتشارك ونحتفل بها تولَد من رحم الاختلاف – لا تنسوا هذا، تولد من الاختلاف. وهي تعزّز الاختلاف بين الأشخاص كمصدر لإغناء متبادل وللنموّ؛ وتدعوهم للتّلاقِ معًا في ثقافة اللقاء والتضامن.

أودّ لو تختبروا باستمرار، في خدمتكم الأسقفية، إرشاد الربّ وعونه في عملكم على تعزيز الشفاء والشركة على جميع أصعدة حياة الكنيسة، فيكون شعب الله المقدّس، قطيعكم، عبر مثاله في المغفرة والمحبّة، ملحًا ونورًا للقلوب التي تتوق إلى ذاك السلام الذي لا يستطيع العالم أن يعطيه. إن كنيسة الميانمار تقدر أن تفتخر بشهادتها النبويّة لمحبّة الله والقريب، التي تظهر في التزامها تجاه الفقراء وتجاه المحرومين من حقوقهم وبالأخص، في هذه الأوقات، تجاه الكثير من المهجّرين الذين، إن صحّ القول، يجثون مجروحين على حافة الطريق. أطلب منكم أن تنقلوا شكري إلى جميع الذين، على غرار السامريّ الصالح، يعملون بسخاء كي يحملوا إليهم وإلى القريب المحتاج، دون الأخذ بعين الاعتبار الدين أو العرق، بلسمَ الشفاء.

إن خدمتكم الشفائيّة تجد تعبيرًا خاصًّا في التزامكم من أجل الحوار المسكونيّ ومن أجل التعاون بين الأديان. أصلّي كيما تحمل جهودكم المستمرّة في بناء جسور حوار وفي اتّحادكم مع أتباع الديانات الأخرى لنسج علاقات سلام، ثمارًا وفيرة للمصالحة في حياة البلد. وقد كان مؤتمر السلام بين الأديان الذي عقد في يانغون الربيع الفائت، شهادة مهمّة، إزاء العالم، لعزم الأديان على العيش بسلام وعلى رفض أيّ عملٍ من أعمال العنف والكراهية، يُرتكب باسم الدين.

وبهذا الشفاء، تذكّروا أن الكنيسة هي “مستشفى ميداني”. شفاء، شفاء الجراح، شفاء النفوس، شفاء. هذه هي أوّل مهمّة لكم، الشفاء، شفاء الجرحى.

كلمتي الثانية لكم هذا المساء هي المرافقة. الراعي الصالح هو حاضر دومًا لقطيعه، يقوده فيما يسير إلى جانبه. وكما يحلو لي أن أقول، على الراعي أن تفوح منه رائحةُ الخراف؛ لكن أيضًا رائحة الله، لا تنسوا! أيضًا رائحة الله. فنحن مدعوّون في أيّامنا هذه لأن نكون “كنيسة في انطلاق” كي تحمل نور المسيح إلى جميع الضواحي (را. الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل، 20). وكأساقفة، إن حياتكم وخدمتكم مدعوّتان لأن تطابقا روح المشاركة التبشيرية هذا ولا سيما عبر زيارات راعوية منتظمة للرعايا والجماعات التي تكوّن كنائسكم المحلّية. إنها وسيلة مميّزة لمرافقة كهنتكم، كأباء محبّين، في التزامهم اليومي في جعل القطيع ينمو في القداسة والأمانة وروح الخدمة. لقد تكلّمت عن مرافقة الكهنة: كونوا قريبين من الكهنة، تذكّروا أن أقرب الأقرباء للأسقف هو الكاهن. على كلّ كاهن ليس فقط أن يعرف إنما أن يشعر بأن له أبٌ في شخص الأسقف.

بنعمة الله، لقد ورث الميانمار إيمانًا صلبًا وتَوقًا رسوليًا حارًا، من عمل الذين حملوا الإنجيل إلى هذه الأرض. وعلى هذه الأسس الثابتة، وبشركة مع الكهنة والرهبان، استمِرّوا في بعثِ روح التلمذة التبشيرية الحقيقية في العلمانيين، وفي البحث عن أقلمة حكيمة لرسالة الإنجيل في الحياة اليومية وفي تقاليد جماعاتكم المحلّية. مساهمة معلّمي الدين هي أساسية في هذا المجال؛ والسهر على نموّهم التنشيئي يجب أن يبقى أولويّة بالنسبة إليكم. ولا تنسوا أن معلمي التعليم الديني هم أركان التبشير في كلّ رعية.

وأودّ، قبل كلّ شيء، أن أطلب منكم التزامًا خاصًّا في مرافقة الشباب. اهتموا بتنشئتهم في المبادئ الأخلاقية السليمة التي ترشدهم في مواجهة تحدّيات عالم تهدّده الاستعمارات الإيديولوجية والثقافية. إن سينودس الأساقفة المقبل لن يغطّي هذه الجوانب وحسب، لكنّه سوف يُشرِك الشباب مباشرة، عبر الاصغاء إلى قصصهم ومشاركتهم في التمييز المشترك حول كيفيّة التبشير بالإنجيل بشكل أفضل في السنين القادمة. إحدى أكبر بركات الكنيسة في الميانمار هي شبيبتها ولا سيما، عدد الإكليريكيين والرهبان الشبّان. لنشكر الله على هذا الأمر. أشرِكوهم من فضلكم في روح السينودس وسانِدوهم في مسيرة إيمانهم، لأنهم مدعوّون، من خلال مثاليتهم وحماسهم، إلى أن يكونوا مبشّرين فرحين ومقنعين لأقرانهم.

كلمتي الثالثة لكم هي النبوّة. إن الكنيسة في الميانمار تشهد يوميّا للإنجيل بواسطة عملها التربوي والخيري، ودفاعها عن حقوق الإنسان، ومساندتها للمباديء الديموقراطية. أودّ لو تجعلوا الجماعة الكاثوليكية قادرة على الاستمرار في أن يكون لها دورًا بنّاء في حياة المجتمع، فتُسمِعونَ صوتَكم في قضايا المصلحة الوطنية، ولا سيما عبر الاصرار على احترام كرامة الجميع وحقوقهم، وبشكل خاص، حقوق الأشخاص الأكثر فقرًا والأكثر ضعفًا. إني لواثق أن الاستراتيجية الرعوية التي تدوم خمس سنوات، والتي أقامتها الكنيسة ضمن السياق الأوسع لبناء الدولة، سوف تفيض بالثمار، ليس فقط لمستقبل الجماعات المحلّية، إنما أيضًا للبلد بأسره. وأشير هنا إلى ضرورة حماية البيئة وضمان استخدام صحيح لموارد البلد الطبيعية الغنيّة لصالح الأجيال الصاعدة. فلا يمكن الفصل بين المحافظة على هبةِ الخليقة الإلهية وإيكولوجيا إنسانية واجتماعية سليمة. في الواقع، إن “العناية الأصيلة بعلاقتنا مع الطبيعة هي جزء لا يتجزّأ من الأخوّة والعدالة والإخلاص تجاه الآخرين” (كن مسبّحا، 70).

أيها الإخوة الأساقفة الأعزاء، إني أشكر الله على لحظات الشركة هذه وأصلّي من أجل أن يقوّي هذا الوقتُ الذي أمضيناه سويّاً التزامَنا بكوننا رعاة أمناء وخدّاما للقطيع الذي عهد به المسيح إلينا. إني أعلم أن خدمتكم صعبة وأنكم، مع كهنتكم، غالبّا ما تتعبون تحت “ثقل اليوم والحرّ” (متى 20، 12). إني أحثّكم على الحفاظ على التوازن في الصحّة البدنيّة كما في الصحّة الروحيّة، وأن تهتمّوا أيضًا، بشكل أبويّ، لصحّة كهنتكم.

وإذ نتكلّم عن الصحّة الروحيّة، تذكّروا أوّل مهمّة للأسقف. عندما تلقّى المسيحيون الأوائل تذمّرَ الهلينيون لأن أَرامِلَهم وأبناءهم يُهمَلون في الخِدَمةِ، اجتمع الرسل و”ابتكروا” الشمامسة. فأعلن بطرس هذا الخبر، وأعلن أيضًا مهمّة الأسقف قائلًا: “واجبنا هو الصلاة وإعلان البشارة” (را. رسل 6، 1- 6). الصلاة هي الواجب الأول للأسقف. كلّ منّا نحن الأساقفة، عليه أن يتساءل، في المساء، في فحص ضميره: “كم ساعة صلّيتُ اليوم؟”.

أيها الإخوة الأعزاء، إني أحثّكم على الحفاظ على التوازن في صحّتكم البدنيّة والروحيّة. وأشجّعكم قبل كلّ شيء على النموّ كلّ يوم في الصلاة وخبرة المحبّة التي تصالح مع الله، لأنها هي أساس هويّتكم الكهنوتية، وضمان قوّة تعليمكم ومصدر المحبّة الرعوية التي بها تقودون شعب الله في دروب القداسة والحقّ. إني ألتمس بقوّة نعمة الربّ عليكم، وعلى الكهنة، والرهبان وعلى جميع علمانيّي كنائسِكم المحلّية. وأطلب منكم من فضلكم ألّا تنسوا أن تصلّوا من أجلي.

والآن أدعوكم لأن نتلو كلّنا سويّا، أنتم بالبيرماني وأنا بالاسباني، صلاة السلام عليك للسيدة العذراء.

[السلام عليك]

ليبارككم الله القدير الآب والابن والروح القدس.

المصدر: ar.zenit.org
لقراءة الخبر من المصدر (إضغط هنا)