بين القضاء والإعلام: مِرسال المراسيل

الإعلام هو الصانع الأول للحروب والنزاعات.. ( أمين أبوراشد )

***

المجموعة التي احتشدت مع الإعلامي مارسيل غانم خلال حضوره جلسة إستدعائه الى القضاء، تُدرِك، أن من حقِّها التضامن مع شخص غانم ضمن الأطُر القانونية، لكن مهزلة الكلام عن حرية الإعلام والتعبير عن الرأي في بلد الحرية حتى حدود الفلتان، هي مسألة “قلوب مليانة” بالحقد الشخصي لدى كل مَن يُحاول تعويم نفسه على المستوى السياسي، أو تحضير نفسه للإستحقاق الإنتخابي، وهي نفسها الوجوه التي تتكرَّر– تزيد أو تنقُص تبعاً للحدث – والقاسم المشترك بينها، التصويب على العهد وعلى حزب الله بمناسبة وبغير مناسبة.

وإذا كان التضامن مع غانم تمثَّل بهذه المجموعة التي شاءت أن تلعب أدواراً ثانوية، في مسلسلٍ من بطولته بالإشتراك مع النائب بطرس حرب، فإن الإخراج جاء باهتاً جداً، وفضح الحجم الباقي لبقايا 14 آذار، وهذا الإستعراض الهزيل في مواكبة غانم لا يُقدِّم ولا يؤخِّر في مسار الدعوى القضائية ولا في نجاح التصويب على العهد، إذا كان هذا العهد محسوباً بنظر البعض على 8 آذار، طالما “الكباش الآذاري” قد انتهى بين الفريقين، مُنذ نَعَت 14 آذار نفسها ونهايتها.

وليست القضية مرتبطة بأشخاص ورموز وطنية أساء إليها مرسيل غانم أو سواه من الإعلاميين، وسط أجواء من الحرية المُبالغ فيها في لبنان، بل القضية هي أن الإعلام هو الصانع الأول للحروب والنزاعات، وإذا كانت وسائل الإعلام البريطانية عام 2012 قد اعتبرت قناة الجزيرة صانعة الحروب في الشرق الأوسط، فإن بعض المحطات الإعلامية اللبنانية قد صَنعت أفدح مما ارتكبته الجزيرة لولا وعي وحكمة القيادات الوطنية في لبنان، وإذا كان غانم اليوم مُداناً على خلفية استضافة شخصين سعوديين، شهَّرا وجاهرا قدحاً وذمَّاً برئيس الجمهورية اللبنانية وبالمقاومة، فنحن لا نُدافع عن فخامة الرئيس ولا عن سماحة السيد نصرالله، لأن قضية غانم وزملاء آخرين بدأت منذ سنوات، وكانت كل مقابلة تتناول شخصية لبنانية أو شريحة من اللبنانيين هي مشروع إشعال فتنة تُقارب مستوى الحرب الأهلية التي كانت ستتداخل فيها التداعيات الإقليمية وكانت كفيلة بإحراق لبنان.

الصراع اللبناني على الأرض السورية بات خلفنا، وسمفونية النأي بالنفس باتت “تُكزِّز” النفس، لكن هناك أدبيات وطنية في الإعلام لم تحترمها بعض المحطات التلفزيونية منذ العام 2011 وحتى اليوم، و”جريمة” غانم ليست بنت ساعتها، ومَن تمادى بحق شخص رئيس الجمهورية والمقاومة سبق له أن ارتكب – عن قصد أو غير قصد – جريمة بحق الشعب اللبناني، عندما أطلق العنان لتكفيريين ودواعش يستضيفهم هو وسواه إما في الإستديو أو عبر مداخلة هاتفية، كفَّروا على الملأ وعلى الهواء المباشر ثلاثة أرباع الشعب اللبناني من مسيحيين وشيعة، واستخدموا عبارات أشبه بقرع طبول الحرب وتمّ استيعابهم كي لا تقع الفتنة التي يسعون إليها.

وإذا كان “الرايتنغ” هو هدف مرسيل غانم والمحطة التي يعمل لديها، فإن الأدبيات الإعلامية ليست في احتساب نسبة المشاهدة لحلقة كان يستضيف فيها غانم الرموز التكفيرية، وإذا كان هذا “الرايتنغ” يرتفع مع إطلالة عمر بكري فستق أو أحمد الأسير، فهل تساءل غانم ومحطته عن “رايتنغ” ردود الفعل الشعبية التي تعكس الغضب والخوف لدى الشعب اللبناني، وحجم خطر إستضافة عمر بكري الذي كان يُطالب المسيحيين بإعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو الرحيل، أو أن مصيرهم سيكون القتل، كذلك مُطالبته الدائمة بوجوب رفع الراية السوداء على مداخل قصر بعبدا، وكيف يحق لمارسيل غانم وسواه استضافة أحمد الأسير الذي كان يُجاهر بعدائه “للشيعة الروافض”؟

هنا تكمُن الجريمة التي يرتكبها الإعلاميون ووسائلهم الإعلامية، عمر بكري اللقيط، الذي امتهن نشر ثقافة الإرهاب عبر العالم وقدِم الى لبنان كما “البوق البُوم” لتهديد الشعب اللبناني بقُرب وصول الشياطين إلينا، وأحمد الأسير غير المُعترف به من دار الفتوى، يجعل لنفسه منطقة عبرا بؤرة أمنية لزرع الفتن الطائفية والمذهبية، التي لولا حكمة المقاومة وسيِّد المقاومة لحصلت هذه الفتنة بكل سهولة واحترق لبنان بنار “الربيع العربي”.

ونتيجة استحالة وضع قانون وضوابط للإعلام، ليس فقط في لبنان بل في كل العالم نتيجة انتشار الإعلام الإلكتروني، فعلى القضاء اللبناني الذي قرر أخيراً، أن يكون “مِرسال المراسيل” لمارسيل غانم وسواه من الإعلاميين، أن يعتمد أيضاً أسلوب “الرايتنغ” من العام 2011 وحتى العام 2016، ليكتشف التداعيات الإقتصادية والأمنية والإجتماعية، وضمور الإستثمارات والسياحة، وحجم الأعداد الهائلة من اللبنانيين الذين سلكوا دروب الهجرة بسبب الأجواء القاتمة التي تسبَّب بها الإعلام اللبناني المتفلِّت من أبسط الضوابط الوطنية، ليُصدر هذا القضاء حُكمه العادل ليس فقط على الأشخاص، بل على المؤسسات الإعلامية بوضع ضوابط وطنية لها، لأن الجرائم التي ارتكبتها كادت تقضي على لبنان وطناً وشعباً…