اميركا غطرسة… عدوان… فشل… عزلة… ثم …؟ (العميد حطيط)

في 29 تشرين الثاني \ نوفمبر 1947 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً أدرج تحت الرقم 181 ونص على تقسيم فلسطين ومنح القسم الأكبر منها لليهود لاقامة وطن – دولة لهم تنفيذاً لوعد بلفور، وحرم بذلك صاحب الدار من بيته ليعطى الدار والأرض لأجنبي لا علاقة له بهما الا زعم وخيال وكيدية سياسية فرضت التنفيذ بالقوة والإرهاب ووافقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة على الاغتصاب في ظرف دولي معين تلا الحرب العالمية الثانية حيث حكم قرار المنتصرين فيها العلاقات الدولية ، و لهذا اعتمد القرار هذا بأكثرية 33 صوتا من أصل 56 وعارضه 13 وامتنع عن التصويت 10 وكان هذا القرار هو السند القانوني الذي اعطى “شرعية دولية ” لقيام الكيان المغتصب تحت اسم “إسرائيل”.

و بعد سبعين عام و نيف صوتت الجمعية العمومية ذاتها بعد ان ازداد عديد الاعضاء فيها ، صوتت على قرار يشكل علامة فارقة في مسار وجود إسرائيل و سعيها لمزيد من ابتلاع ارض فلسطين ، صوتت لكسر قرار أميركي يعلن اعتراف اميركا بالقدس كلها عاصمة لدولة “إسرائيل” ، اعلان جاء مغايراً لنص القرار 181 و لمضمون اكثر من 12 قرار دولي يتعلق بالقدس و فلسطين وكلها تلزم إسرائيل التي احتلت القسم الغربي من القدس بعد القرار 181 ثم الجزء الشرقي منها في العام 1967 ، تلزمها باحترام الحالة الخاصة للقدس و عدم المس بها ، و بالتالي اعتبار ضمها و اعتبار إعلانها عاصمة ، باطل بطلانا مطلقا لمخالفته للشرعية الدولية التي تمثلها او ترعاها الأمم المتحدة رغم كل الملاحظات و التحفظات التي نسجلها على سلوك هذه المنظمة .

لقد جاء التصويت الأخير وظروفه ونتائجه معبراً وبالغ الدلالة ان من حيث البيئة الدولية والأميركية التي تم فيها او من حيث ما يوحي به ويتمخض عنه، اذ ان اميركا وعلى لسان رئيسها ترامب نفسه مرتكب العدوان على القدس، هددت وتوعدت الدول التي توافق على القرار وتتحدى القرار الأميركي هددتها بالانتقام والمعاقبة، ومع هذا اعتمد القرار بأكثرية 128 صوتا ومعارضة 9 دول فيهم اميركا وإسرائيل ودول هامشية تقتات بالمال الأميركي وامتناع 35 دولة راأ ان لا تغضب اميركا ولا تغضب الحق فامتنعت عن التصويت والامتناع لا يحتسب. فما هي الدلالات والتداعيات لهذا القرار؟ .

في البدء حاول الخاسر او اعلامه او حتى البعض من الفريق الرابح، ان يخفف من أهمية القرار ويدعي بانه قرار غير ملزم وهنا نرد ببساطة ان قرار انشاء إسرائيل ذاتها هو من ذات الطبيعة القانونية والقوة ذاتها كما بينّا أعلاه، ولذلك لا نرى موجبا لمناقشة هذه النقطة ونكتفي بالقول بان القرار يعكس موقفا دوليا جامعا ويعكس بدقة موقف ما يسمى “المجتمع الدولي” الذي طالما تشدقت اميركا و طالبت باحترام قراراته عندما تكون قراراته صيغت بإملاء منها ، انه قرار مهم اذن خاصة إذا علمنا ان الدول التي وافقت على القرار تمثل 5.5 مليار من سكان المعمورة ال 6.5، وان الدول التي عارضت لا يصل حجمها الى 300 مليون نسمة.

بيد اننا نرى ان ما حصل في الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21\12\2017 يتعدى بأهميته قراراً اتخذ لصالح الفلسطينيين وفلسطين، ولا يمكن ان نفسره الا ربطا بالمشهد الدولي العام الذي يرتسم فيه او تتبلور فيه ارهاصات تشكل نظام عالمي جديد تنتظم بموجب قواعده العلاقات الدولية وترتسم على ضوئه الفضاءات الاستراتيجية ونطاقات النفوذ والتأثير للدول. والأهم فيه هو ما يتعلق بموقع اميركا دوليا وعلى سبيل التذكير وللمقارنة نقول: ان اميركا في العام 1991 أومات بيدها فقادت العالم الى حرب على العراق لإخراجه من الكويت، وفي العام 2001 غضبت فسارع العالم ليكون في خدمتها في حرب على أفغانستان، وفي العام 2003 عندما تردد مجلس الامن في قبول كذبتها، شكلت خارج الشرعية الدولية تحالفا واحتلت العراق وفرضت على مجلس الامن هذا الاحتلال والزمته بان يشرع او يقنن احتلاها ويتعامل معه كأمر وقع.

اما اليوم فقد وقف العالم كله بوجهها في مجلس الامن (14 صوت ضد صوتها) ثم كسرت الجمعية العمومية قرارها واستخفت بترامب وتهديده وصراخ مندوبته في مشهد يقود الى القول بان العالم بدأ يتمرد على الهيمنة الأميركية، وبدأ يدفع اميركا الى العزلة الدولية، وبدأ مشهد دولي يتشكل نقيضا لما سعت اميركا لصنعه منذ العام 1991 تاريخ انهيار الاتحاد السوفياتي، لان ما حصل لا يمكن ان يقرأ منفصلا عن احداث أخرى أهمها:

1) الهزيمة الاستراتيجية الأميركية في المشرق العربي والإسلامي، هزيمة تجلت بعجز اميركا وعلى مدار سبع سنين من العدوان، عجزها عن اسقاط سورية وتفكيك محور المقاومة الذي تشكل سوري قلعته الوسطى، حيث فشلت اميركا في الميدان، وفشلت أيضا في السياسة وعجزت عن تمرير مناوراتها الاحتيالية في جنيف وكان فشلها في جنيف 8 مدويا حيث تعملق الموقف السوري بقوة وعنفوان رافضا كل كيد وابتزاز أميركي عبر مجموعة الدمى المسماة “معارضة سورية”.

2) الهزيمة الاستراتيجية والمعنوية في الشرق الأقصى التي تمثلت بالعجز عن احتواء كوريا الشمالية، والاضطرار الى طلب مساعدة روسيا للوساطة من غير شروط بينها وبين كوريا لإيجاد حل للمأزق الذي سقطت اميركا فيه، حلا يحفظ ماء وجهها وشيئا من هيبتها.

3) تخبط استراتيجي في ما اطلقه ترامب من وثيقة اسماها “الاستراتيجية الأمنية الأميركية” الجديدة ، و التي اذا تمحص فيها الباحث و الخبير العارف بالشأن الاستراتيجي و مفاصله ، لاستنتج بكل بساطة حال الارباك و الضياع و التردد التي تحكم اميركا ، اذ انها اتخذت و بشكل نهائي روسيا و الصين عدوين نهائيين ، و قررت المواجهة معهما رغم حاجتها الواقعية للعلاقة الاضطرارية بهما بشكل او باخر كما و اكدت على الاستمرار في السلوك الكيدي و العدواني ضد كافة مكونات محور المقاومة ، و حركات المقاومة و التحرر في العالم ،التزمت كل هذا دون ان تثبت قواعد تحالفات مضمونة مع اطراف دولية قادرة او تمتلك إمكانية المساعدة ، فمن كان حليفا معها يبدو انه لن يبقى على تحالفه و التزامه و المثل الأكبر هنا علاقاتها الأوربية و مشهد تصويت الأوربيين ضد اميركا في مجلس الامن كما و موقفهم المعارض لها في مسالة الغاء الاتفاق الدولي مع ايران و هي مسائل لها من الدلالات ما ينبغي التوقف عنده و اخده بشديد الاهتمام ، فأي دولة تعادي اكثر من نصف العالم المقتدر و ليس لها حليف موثوق يمكنها ان تنتصر ؟

ان بيئة دولية تتشكل على هذا المنوال من شانها ان ترسم مسارا جديدا يوحي بان اميركا اليوم ليست اميركا الامس، وان اميركا المستقبل والمستقبل القريب جدا هي اميركا المعزولة التي ينفك من حولها الحلفاء، والتي لم تعد ترهب او ترعب او تخوف عاقلا ممسكا بحقوقه وكرامته، وان اميركا التي سعت منذ ربع قرن الى امتلاك قرار العالم واعتبرت على حد ما قال رئيسها يومها جورج بوش الابن، ان الله اقام اميركا لتحكم الأرض، ان اميركا هذه ولت الى غير رجعة وان الإمبراطورية التي سعت أميركا لأقامتها باتت حلما مستحيلا.

ومع هذه المستجدات او الصورة الدراماتيكية يبقى الحديث عن قاعدة عسكرية أميركية هنا او تدخل سياسي عبر سفارة هناك، يبقى تفصيلا لا يستحق كبير اهتمام، فاذا كان الجسم ينهار ويعزل، فان أذرعه ومفاعيله ستهوي معه، ولذلك نقول وربطاً او عطفاً على ما يتداول من شان القواعد العسكرية الأميركية التي أنشئت ابان العدوان على سورية انها قواعد زائلة وبأقرب مما يظن البعض، وان الانحسار الأميركي عن المشرق بات امرا واقعا لن تؤخره قاعدة او سفارة. وبات السؤال الابعد كيف يكون سلوك اميركا ومصيرها ذاتها مع هذا التحول؟ فهل تنضوي في منظومة عدالة دولية لتحقيق السلام؟ ام تهرب الى الامام في عمل عسكري كوني جنوني تدميري (نستبعده)؟ ام تنكفئ على ذاتها وتتجه الى …؟

المصدر: الثورة