إمامة ميشال عون وقداسة حسن نصرالله

– ما بُذِل هو من أفعال تقديس القِيَم الإنسانية والدينية (أمين أبوراشد)

***

لقب الإمام، الذي أطلقه رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، على فخامة الرئيس العماد ميشال عون، وإن اعتبره البعض من قبيل المُجاملات اللطيفة للإشادة بمواقف فخامته، ليس فقط في التضامن مع القدس خلال القِمَّة الإسلامية وما سبقها من منابر عربية ودولية اعتلاها فخامته بصفته الرئاسية، بل تقديراً للنهج الوطني والثقافة الإنسانية في فكر ميشال عون.

والشيخ قبلان ليس شخصية شيعية عادية، بل هو عالم دين، وعندما يخلع عباءة الإمامة على أكتاف المسيحي ميشال عون، فهي تعني حرفياً ما ورد في تعريف الإمامة عند الشيعة: ” تقدُّم شخص على الناس على نحوٍ يتبعونه و يقتدون به”، وفي تعريف الإمام: ” هو مَن يُقتدى به في قولٍ أو فعلٍ أو غير ذلك، وهو الذي يتقدَّم على الناس وهم يأتمُون به، سواء كان الإمام المتقدِّم عليهم مُحِقّاً في تقدُّمِه هذا أم لا”، مما يعني في توصيف الشيخ قبلان، أن الرئيس عون بات بخلاصة تاريخه وسيرته الذاتية ومسيرته الوطنية، موثوقاً به وبسياساته، ولو أن البعض اعتبره أحياناً غير مُحِقّ في تقدُّمه على الآخرين، طالما أنه رجلٌ من أهل الثقة.

وصِفات الإمامة عند الشيعة، لا تختلف عن صِفات القداسة عند المسيحيين، ما دامت كلتاهما، لا تُمنحان أصولاً سوى الى من يستحق خلال حياته على الأرض، وإذا كنا كمسيحيين شَهِدنا في تاريخنا المعاصر، قداسة الأم تيريزا، فلأنها اكتسبت هذه القداسة من مسيرة طويلة وشاقة لخدمة أي ضعيفٍ أو مظلومٍ على وجه الأرض، وارتضت أن تعيش حياتها وسط مجتمعات البؤس والفقر، لتُخفِّف ضمن إمكاناتها من عناء وعذابات الآخرين، ورُفِّعَت الى درجة القداسة في قلوب الناس، وانحنت أمامها رؤوس رؤساء الدول، قبل أن يتمّ تقديسها في الفاتيكان بقرارٍ من أعلى مرجعية دينية في العالم.

إذاً، فإن تقييم إمامة أو قداسة شخصية ما، يُبنى على سيرة حياة، بمعزلٍ عن الثواب في الحياة الآخرة، فاسمحوا لنا كمسيحيين مشرقيين أن نبلغ بيت القصيد:
إذا كان كل ما ارتُكب من أهوالٍ بحقنا وبحق سائر الأقليات في هذا الشرق، من مذابح وتنكيل وتهجير، واعتداء على الكرامات والأعراض والأرزاق والمقدسات والأضرحة ومعالم التراث والحضارة، ثوابه عند التكفيريين 70 حورية في الآخرة، فنحن من حقنا النُطق بالحق أيضاً سواء كان ثواباً أو عقاباً:

بإسم الضحايا الذين سقطوا على أرصفة الإنتحار في هذا الربيع العربي الأسود، وبإسم أشلاء الطفولة ودماء العَجَزة ودموع الأمهات، وبإسم ملايين المظلومين من مسيحيين ومسلمين بفتاوى من شياطين الظلم، بدءاً من حُثالة إبن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وحسن البنا، وسيد قطب، وصولاً الى يوسف القرضاوي، وعبد العزيز آل الشيخ، والعريفي والحويني وباقي أعضاء فرقة التكفير، وبإسم المقدسات التي انتُهِكَت والأضرحة التي دُمِّرت، ومع بداية إنحسار برابرة العصر الذين كفَّروا كل آخر وشيطنوا كل آخر، إسمحوا لنا أن نقول:

كل من احتضن الآخر أخاً له في الإنسانية في هذا العالم هو قدِّيس، وكل من أقبَل على حضارة الآخر هو قدِّيس، وكل من آمن بالوحدة المجتمعية بين أبناء الوطن الواحد هو قدِّيس، وكل من دافع عن الأرض والعرض هو قدِّيس، وكل من حما مقدسات الآخر ووجوده وثقافته المختلفة هو قدِّيس.

ونختم مع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: “من لم يكُن أخاً لك في الدين، فهو أخٌ لك في الخلق”، وإذا كان فخامة ميشال عون من المنطلق الإنساني والوطني الجامع قد استحق من المسلمين لقب الإمامة، فإننا كمسيحيين، بإسم أجراس معلولا وتماثيل مريم وعيسى بن مريم التي انتهكها الإرهابيون، واحتضنها أبناء مدرسة المقاومة وتلامذة سماحة حسن نصرالله، نعتبر أن ما بُذِل من أجلنا هو من أفعال تقديس القِيَم الإنسانية والدينية، ويستحق صاحب هذه المدرسة الشريفة لقب القداسة